الشهيد الثاني
184
الفوائد الملية لشرح الرسالة النفلية
هي أقصى غاية الخضوع والتذلَّل - ومن ثمّ لم يستعمل إلَّا في الخضوع للَّه تعالى - والتفتّ من مقام البعد عن مقاربة جنابه إلى مقام الفوز بلذيذ خطابه . ( والاستزادة من توفيقه وعبادته واستدامة ما أنعم اللَّه على العباد عند : وإيّاكَ نَسْتَعِين ) حيث قدّمت الوسيلة على طلب الحاجة ، ليكون ادعى للإجابة ، واستعنت به في جميع أمورك من غير التفات إلى فرد منها ولا إلى جميعها ، لقصور الوهم عن الإحاطة بتفاصيل ما يحتاج إليه تعالى فيه ، ويفتقر إلى عونه عليه . ( و ) استحضار ( الاسترشاد به والاعتصام بحبله والاستزادة في المعرفة به سبحانه والإقرار بعظمته وكبريائه عند : اهدنا الصّراط المستقيم ) . وأشار - بكون طلب الهداية متناولا للاسترشاد والاعتصام والاستزادة من المعرفة والإقرار بالعظمة - إلى مطلب شريف ، وهو أنّ هداية اللَّه تعالى تتنوّع أنواعا كثيرة يجمعها أربعة أجناس مترتّبة : أوّلها : إفاضة القوى التي بها يتمكَّن المرء من الاهتداء إلى مصالحه كالقوة العقلية والحواسّ الباطنة والمشاعر الظاهرة . وثانيها : نصب الدلائل الفارقة بين الحقّ والباطل والصلاح والفساد ، وإليه أشار تعالى بقوله : * ( وهَدَيْناه النَّجْدَيْنِ ) * ( 1 ) ، وقال تعالى : * ( فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ) * ( 2 ) . وثالثها : الهداية بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وإليه أشار تعالى بقوله : * ( وجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ) * ( 3 ) ، وقوله تعالى : * ( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) * ( 4 ) . ورابعها : أن يكشف عن قلوبهم السرائر ويريهم الأشياء بالوحي الإلهي كما هي ، أو بالإلهام والمنامات الصادقة ، وهذا القسم يختصّ بنيله الأنبياء والأولياء ، وإليه
--> ( 1 ) « البلد » 90 : 10 . ( 2 ) « فصّلت » 41 : 17 . ( 3 ) « الأنبياء » 21 : 73 . ( 4 ) « الإسراء » 17 : 9 .